مراجعة: Mohamed Reda

صرخة في وجه الفراغ التشريعي

صرخة في وجه الفراغ التشريعي: عندما يغدو التشهير بالبشر مجرد "مخالفة" بلا ردع

صرخه فى وجه الفراغ التشريعى

صرخة في وجه الفراغ التشريعي: عندما يغدو التشهير بالبشر مجرد "مخالفة" بلا ردع

إن الشرف ليس مسألة يقبل فيها التعويض، والسمعة ليست ملكاً مشاعاً يُستباح على مذبح العبث والافتراء؛ بيد أن المنظومة التشريعية المطبقة – حتى تاريخه – تقف مكبلة الأيدي، ببنودها القاصرة وثغراتها النفعية، أمام سيلٍ جارف من جرائم البلاغ الكاذب ونشر الأخبار الزائفة. لقد أضحت هذه الجرائم سلاحاً فتاكاً يمزق الأسر، ويدمر الذمم المالية والاجتماعية، ويخلق حالة من السيولة الأخلاقية والاضطراب المجتمعي، دون أن تجد من الرادع الجنائي إلا عقوبات خجولة لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن العلة الأساسية تكاد تصرخ من بين نصوص قانون العقوبات الحالي:

* عقوبات سالبة للحرية مدداً رمزية: تُعامل جُرم البلاغ الكاذب وفقاً للمادة (305) من قانون العقوبات بوصفه جنحة بسيطة، غالباً ما تنتهي بإيقاف التنفيذ أو بغرامات مالية زهيدة لا تتناسب حكماً مع حجم الدمار الشامل الذي لحق بالمجني عليه وأسرته.

* غياب الردع في فضاء التواصل الاجتماعي: تُطبق نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 وقانون العقوبات بشروط إثبات شديدة التعقيد، مما يجعل الإفلات من العقاب هو الأصل، والمساءلة هي الاستثناء.

* افتراض القصد الجنائي الخاص: يفرض الفقه والقضاء شروطاً معقدة لإثبات "نيّة الإضرار" في البلاغ الكاذب، مما يفتح باباً واسعاً للمفتري بالادعاء بحسن النية أو التسرع، ليتنصل من عقابه بسهولة ويسر.

وقد أدى هذا الفراغ الإجرائي والتشريعي إلى ازدواجية صارخة في التطبيق الحزمي للأحكام:

* الانتقائية الحتمية: لا تُرى الأحكام الجنائية الرادعة والبادرة بالحزم إلا في القضايا التي يُسلط عليها الضوء الإعلامي أو تلك ذات الطابع السياسي والسيادي، بينما يُترك المواطن البسيط في مواجهة الشائعات والاتهامات الباطلة أعيزل بلا نص ينصفه أو قضاء يقتص له في وقت مناسب.

* عجز التعويض المدني: التعويضات المدنية المقضي بها – إن وُجدت بعد سنوات من التقاضي المجهد – تأتي بمبالغ رمزيّة هشة لا تعوض قطرة دم واحدة سالت من سمعة رجل شريف أو كرامة عائلة أُهدرت على صفحات التواصل الاجتماعي.

إن المجتمع لم يعد يحتمل هذا التراخي التشريعي؛ فالقانون الذي لا يحمي السمعة ولا يزجر المفتري هو قانون يشجع على الفوضى ويغري بنشر الكذب. إن المطلوب اليوم ليس مجرد تعديلات طفيفة أو مسكنات إجرائية، بل ثورة تشريعية شاملة تُعيد صياغة هذه الجرائم:

1. تغليظ العقوبة: تحويل جرائم البلاغ الكاذب المقترنة بالتطاول العلني والتشهير من جنح هشة إلى جنايات مع معاقبة مرتكبيها بالسجن المشدد.

2. استحداث المسؤولية المباشرة: فرض عقوبات رادعة ومصادرات فورية للحسابات والمنصات التي تُمارس التشهير ونشر التضليل، دون التذرع بجهالة الفاعل عند ثبوت القصد.

3. التعويض الرادع (Punitive Damages): إقرار مبدأ التعويض العقابي في القانون المدني والجنائي لتكشير سن القوانين أمام كل من تسوّل له نفسه استباحة أعراض الناس.

إن التشريع ليس نصاً أعمى، بل هو حارس العدالة والأمن القومي والمجتمعي. وإذا لم يستفق المشرّع ليضع حداً لهذه المهزلة التشريعية، فسيظل المجتمع مسرحاً كبيراً لمشوهي السمعة، وسيبقى الشرفاء هم الضحية الأولى في غابة العبث والافتراء.

المصدر المرجعي: مادة تحريرية للمؤسسة
٠

واصل القراءة

صرخة في وجه الفراغ التشريعي | مدونة مؤسسة محمد رضا القانونية | Mohamed Reda Legal Foundation